ابراهيم بن عمر البقاعي

271

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وتصريف الساريات : فَالْمُقَسِّماتِ أي من السحب بما تصرفها فيه الملائكة عليهم السّلام ، وكذا السفن بما يصرفها اللّه به من الرياح اللينة أو العاصفة من سلامة وعطب وسرعة وإبطاء ، وكذا غيرهما من كل أمر تصرفه الملائكة بين العباد وتقسمه . ولما كان المحمول مختلفا كما تقدم ، قال جامعا لذلك : أَمْراً * أي من الرحمة أو العذاب ، قال الرازي في اللوامع : وهذه أقسام يقسم اللّه بها ولا يقسم بها الخلق لأن قسم الخلق استشهاد على صحة قولهم بمن يعلم السر كالعلانية وهو اللّه تعالى ، وقسم الخالق إرادة تأكيد الخبر في نفوسهم فيقسم ببعض بدائع خلقه على وجه يوجب الاعتبار ويدل على توحيده ، فالرياح بهبوبها وسكونها لتأليف السحاب وتذرية الطعام واختلاف الهواء وعصوفها مرة ولينها أخرى والسحاب بنحو وقوفها مثقلات بالماء من غير عماد وصرفها في وقت الغنى عنها بما لو دامت لأهلكت ، ولو انقطعت لم يقدر أحد على قطرة منها ، وبتفريق المطر وإلا هلك الحرث والنسل ، والسفن بتسخير البحر لجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق ، ولو ركد لأهلك ، والملائكة تقسم الأمور بأمر ربها ، كل ذلك دليل على وجود الصانع الحكيم ، والفاطر العليم ، القادر الماجد الكريم . ولما كانوا يكذبون بالوعيد ، أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال : إِنَّما أي الذي تُوعَدُونَ أي من الوعد للطائع والوعيد للعاصي ، وإن لم تروا أسبابه . ولما كان ما توعدوا به لتحقق وقوعه وقربه كأنه موجود يخاطبهم عن نفسه ، عبر عن المصدر باسم الفاعل فقال : لَصادِقٌ * أي مطابق الإخبار به للواقع ، وسترون مطابقته له إذا وقع ، وتعلمون أن ذلك الواقع حق ثابت لا خيال لمطابقته للخبر ، قال ابن برجان : واعلم أن اللّه عز وجل ما أقسم بقسم إلا مطابقا معناه لمعان في المقسم من أجله بسراج منير يهدي به اللّه تعالى من يشاء ، وإنما يعمي عن رؤية ذلك ظواهر إشخاص للمحسوسات ، ويصم عن إسماع ندائها ضوضاء المشاهدات ، ولولا ذلك لنودوا بها من مكان قريب ، وقال البيضاوي : كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث . ولما كان أجل وعيدهم ما يتعلق بالجزاء يوم القيامة وكانوا ينكرونه ، قال : وَإِنَّ الدِّينَ أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم البعث ، والشرع الذي أرسلت به هذا النبي الكريم لَواقِعٌ * لا بد منه وإن أنكرتم ذلك ، فيظهر دينه على الدين كله كما وعد بذلك ، ثم نقيم الناس كلهم للحساب . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما ذكر سبحانه المواعيد الأخروية في